صباح الخير كيف حالك؟ وكيف كان أسبوعك؟ هل بدأتِ بترتيب أولوياتك، والتخلي عمّا لم يعد يخدمك؟ أم ما زلتِ تتشبثين خشية الشعور بألم الخسارة؟ أيًا كان شعورك الآن، أود أن أذكّرك أن ألم الكبرياء أثقل من ألم الخسارة، وقد لا نلاحظ ذلك إلا بعد فوات الأوان. فالركض خلف السراب، أو فرد العضلات لإثبات الثبات، يبدو أهون من السقوط… مع أننا لا ننتبه أحيانًا إلى أن كل سقوط مؤقت قد يتبعه انطلاقة استثنائية.

في هذه الفترة، أجري بعض التعديلات على استراتيجية مديام، وأختبر شكل روتيني وعاداتي، حتى لا أضيف المزيد من الأهداف دون أن يكون لها مساحتها الحقيقية. وخلال ذلك، قرأت مقولة تقول: «كل نعم في مكان، هي لا في مكان آخر». لم تكن المرة الأولى التي أقرأها، لكنها كانت المرة الأولى التي أستوعبها وأُسقطها مباشرة على حياتي. فعندما أقول نعم للتصفح على وسائل التواصل الاجتماعي، فأنا أقول لا للنوم في وقت أبكر، وقيسي على ذلك الكثير.

وهذا المنطق لا يقتصر على اليوميات فقط.

حتى في الجانب العملي، عندما أغيّر شيئًا في الاستراتيجية، فأنا أقول نعم لقرار، ويقابله لا لقرار آخر. وثمن هذه الـ «لا» هو الخسارة. وبدون تزيين أو إيجابية مزيفة، الخسارة مؤلمة.

بذورك بيدك

تخيّلي أمامك أرضًا كبيرة، خصبة، قابلة للزراعة، ومعك بذور لا تعلمين تمامًا نوعها. تبدأين بزرعها في هذه المساحة الواسعة، وتبذلين جهدك في كل الأرض، وأنتِ تحملين رؤية واضحة: أن تظلّك هذه الأرض بأشجارها يومًا ما عندما تحتاجين لذلك. مع الوقت، تبدأ بعض البذور بالتفتح، وتظهر السيقان والأغصان تدريجيًا في أماكن معيّنة، إشارات واضحة بأن هذا المكان يستجيب ويعطي نتائج، لكنه يحتاج منك استمرارًا ورعاية حتى يكتمل نموّه.

​

في المقابل، تبقى بقعة أخرى كما هي، جافة، نباتها يموت سريعًا مهما بذلتِ فيها من جهد. ورغم ذلك، يحدث ما لا ننتبه له كثيرًا: نفترض أن الأماكن التي بدأت تعطي ستستمر وحدها، فنتركها، ونوجّه طاقتنا نحو البقعة الجافة، بدافع الأمل أو العناد أو الخوف من الاعتراف بالخسارة. ومع الوقت، عندما نلتفت، نتفاجأ أن النباتات التي كانت تنمو وتحتاج فقط الاستمرار بدأت تذبل، بينما المكان الجاف المليء بالشوك ما زال على حاله، لم يتغيّر.

​

الحقيقة التي لا نرغب بتصديقها أحيانًا ليست أن بعض الأرض لا تعطي، بل أننا نترك ما كان يعطينا فعلًا، ونستنزف جهدنا في أماكن لا تستجيب، ثم نخسر الاثنين معًا.

وهكذا تمامًا هي حياتنا.

​

نبدأ نبذل الجهد في كل الاتجاهات، ثم تكشف لنا النتائج أين يوجد الأثر وأين لا يوجد. لكننا، بدل أن نستمر فيما يثمر ويحتاج منا حضورًا ثابتًا، نتركه، ونركض خلف ما لا يعطينا شيئًا. وقيسي ذلك على عملك، علاقاتك، أسلوب حياتك، ومحيطك.

وهنا يأتي السؤال:
​هل تستطيعين الاعتراف بوجود هذا الجانب “الجاف” في حياتك، وتقبّل الخسارة فيه، لتسمحي لنفسك بالعودة إلى الأماكن التي كانت تعطي، وتحتاج منك فقط الاستمرار؟

​

الخسارة تمنحك مساحة

عندما تعترفين بالخسارة، تسمحين لجهدك وسعيك أن يظهر في المكان الصحيح. في تجربتي الشخصية، كانت إحدى العلاقات. توقفت، وبكل ألم، واعترفت لنفسي أن هذه العلاقة لن تكون كما توقعت، وأن كل الجهد الذي أبذله لإصلاحها لا يؤتي ثماره. خسرتها، وتألمت لخسارتها، خاصة أنها كانت علاقة ذات أثر في حياتي. بعد هذا الاعتراف، ومع الشعور بالألم الذي تبعه، خفّت التوقعات، وأصبح سعيي أقل، لتتجه طاقتي وتركيزي نحو ما هو أهم في هذه المرحلة من حياتي.

​

نحن لا نعلم ما يهمنا!

نكبر ونحن نعتقد أننا نعرف ما هو المهم في حياتنا، لكن الحقيقة، رغم بساطتها وصعوبتها في الوقت ذاته، أننا لا نعلم ذلك دائمًا.

نضع في المقدمة ما اعتبره المربّون أو المجتمع مهمًا، ظنًا منا أنه مهم لنا أيضًا. مع أن الناس يختلفون في أبسط الأمور قبل أعقدها، وحتى داخل حياة الشخص الواحد تتغير درجات الأهمية مع تغيّر المراحل.

في بداية المشروع، قد يكون هو الأولوية، وفي فترة الدراسة تحتل الدراسة هذه المساحة، وعند وجود مشكلات صحية تتقدم الصحة على غيرها من الأولويات. ولا نعرف ما يهمّنا فعلًا إلا حين نجرّب، ونسمح لبعض الاختيارات أن تخسر، فتُظهر لنا ما يستحق الاستمرار.

​

التجربة بعد الخسارة

بعد الاعتراف بالخسارة وإعادة ترتيب الأولويات، قد نرغب بالبدء من جديد، لكن هناك عقلًا يحاول حمايتنا باستمرار، ويذكّرنا بألم الخسارة السابقة. نسأل أنفسنا: ماذا لو بذلت جهدي مرة أخرى ولم ينجح الأمر؟ هل سأتحمل ألم الخسارة مجددًا؟ الحقيقة المنعشة في هذا السؤال أننا سنخسر دائمًا، حتى في الأمور التي نحبها. فهناك تطورات مستمرة، ونسخ تتغير منا، وتفضيلات وأولويات تتحول مع الوقت. لن نعرف إن كنا سننجح ما لم نجرّب ونعطي التجربة حقها.

وسأشاركك سرًا صغيرًا: الخسارة لا تأتي وحدها، بل يصاحبها نوع من المعرفة الفريدة، معرفة لا يملكها من لم يخض هذه الرحلة.

​

الإجلال للمرحلة ودروسها

أثناء حضوري وثائقي لجون روبرتز، قال لإحدى المشاركات: عندما تلومين، لومي على مستوى الروح أيضاً؛ فالشخص الذي سبب لكِ الألم كان أيضًا سببًا في وجودك هنا اليوم. منذ تلك اللحظة، بدأت أنظر إلى الأشخاص والفرص والأعمال بنظرة مختلفة، حتى وإن سببوا الأذى، كان لهم دور في كشف الحقيقة كما هي، ليكون الخيار بعدها بأيدينا: هل نتغير؟ أم نبقى كما نحن؟

​

في الختام

من يعترف بالخسارة هو من يستطيع النهوض بعدها، أما الإنكار المستمر فهو ما يجعلنا ندور في الدائرة ذاتها.

غنائم رقمية ✨

ــ مقطع رهيب عن الانتباه والتركيز!​

ــ كيف تختارين وترتبين قيمك؟​

ــ حلقة بودكاست عن التشتت والتسويف! [حطيته بقائمتي.. تابعوه معي!]

إلى ذلك الحين ـــــ استشعري قوة النهوض بعد الخسارة

مديحة الحارثي

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025