
مساء الخير ، كيف حالك اليوم؟ وكيف كان أسبوعك؟ هل تشعرين ببداية الصيف المُشعة؟ والرغبة الشديدة في التخطيط لنصف العام القادم؟ أم أن الأحلام والحياة تتوقف عند «شرط إذا» والذي نعلم تماماً أنه لن يأتي، مع كل الأسف؛ أياً كان شعورك، تذكّري أن الحياة تبدأ على حافة "إذا" أو "يوماً ما"!
في العام السابق، بنفس هذا التوقيت تقريباً، كانت حياتي متوقفة على «إذا....». ولم تكن حالمة جداً، بل خطوة واقعية، منطقية، وعائلية، لتطول هذه المرحلة إلى ديسمبر 2024، ثم «تتكنسل». كان الخذلان هو سيد الموقف وقتها، وألم أنني سأعود لأرى قراراتي المؤجلة وأقوم بها ضمن "المتاح والممكن" كعادتي طبعاً.
والعجيب أن هناك شجاعة عندما تقررين أن ترتقي وتعيشي ضمن حدود الزمان والمكان، وأصفها بالشجاعة لأن النتائج ليست على قدر الرغبات، ولكن الشعور واحد باختلاف المستويات.
العجيب أيضاً أن هذا الحدث تكرر هذا العام بنفس الطريقة، حتى طريقة «الكنسلة». لكن المُلفت وقتها هو أن الإحساس المُهيمِن كان الإحساس بالفخر والإجلال لنفسي، فبالرغم من كل الألم الذي حصل العام الماضي، إلا أنه لم يُعد كرّته هذه المرة، وكأن الحياة تغمز من بعيد وتقول لي «فهمتي الدرس! برافو 😉»
الحياة المؤجلة 🛹
في علم النفس غير الرسمي، تُعرف هذه الحالة أحيانًا باسم "متلازمة الحياة المؤجلة – Delayed Life Syndrome"، أو "متلازمة يومًا ما – Someday Syndrome". وهي ببساطة وهمٌ يجعلنا نعتقد أن الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأننا نعيش في حالة انتظار دائمة. نعلّق شعورنا بالوجود على شرط لم يتحقق بعد، أو لحظة مثالية لم تأتِ بعد، كأن نقول: "لما أخلّص دراستي ببدأ أعيش فعليًا"، أو "إذا تزوجت بسافر، وأسوي اللي أبيه، ما راح أشتغل إلا إذا انقبلت بالوظيفة الفلانية".
ومن خلال تفسيري للموضوع تحديداً لنا احنا كفتيات، أرى أن الموضوع بدأ من طفولتنا، برنامج عميق متوارث من الجدات، للأمهات، وصولاً للبنات! يبدأ من «إذا كبرتي تلبسين هاللبس» وصولاً إلى «إذا تزوجتي تقصين شعرك/تسافرين/تسوين اللي تبين». وحتى وإن عشنا نعارض هذه البرمجة، نكبر وهي تعيش فينا باللاوعي، لتقفز وتخبرنا في كل مرة نرغب فيها بتغيير شيء ما بواقعنا: أنه إذا حصل كذا، نقوم بكذا!
تأثير «إذا» على عملنا!
بحكم اهتمامي الكبير في مجال العمل، ألاحظ تأثير «إذا» عليه، وهي أكثر مكراً من «يوماً ما»، لأنها لا ترمي الموضوع للمجهول تماماً، بل تضعه تحت إطار شرط معين، سواء في أمور الحياة العامة «إذا اشتركت في نادي ببدأ أتمرن»، أو في العمل «إذا استقلت ببدأ أشتغل على المشروع اللي أحلم فيه». وأقنع نفسي من الداخل أني سأقوم بالأمر فقط عندما يتحقق الشرط، والحقيقة؟ لا شيء يتحقق إذا لم نأخذ خطوات صغيرة في اتجاهه!
الحياة ليستر«بروفة» 🎭
أثناء بحثي حول فكرة التأجيل وتعلّقنا بـ"الوقت المثالي"، قرأت مقالة لطبيبة نفسية أمريكية تُدعى سارة ساركيس، كانت تحكي عن مرحلة من حياتها شعرت فيها بأنها تعيش على هامش حلم مؤجل. كانت أمًا جديدة، تدير عيادتها الخاصة، وتبدو كما لو أنها حققت ما تطمح إليه مهنيًا، لكنها كانت تكرر على نفسها: "يومًا ما، لما يكبر ولدي، ببدأ أكتب"، "يومًا ما، لما يصير عندي وقت، ببدأ أتكلم وأوصل صوتي للعالم"، "يومًا ما، لما أكون جاهزة، بأفتح باب جديد". وبينما كانت تردد هذه العبارات لوالدتها، وكانت الأخيرة تمرّ بأيامها الأخيرة بعد إصابتها بالسرطان، قالت لها أمها:
“Sarah, be mindful of falling victim to the ‘somedays.’ This is not a dress rehearsal. ‘Someday’ is not a guarantee. All we have is right now.”
وترجمتها: "سارة، انتبهي لا تصيرين ضحية لـ(يومًا ما). هذي الحياة ما هي بروفة. يومًا ما مو مضمون. اللي نملكه فعليًا هو الآن."
كلمات أمها كانت كفيلة بأن توقظها من وهم التأجيل. وبعد شهر من وفاتها، بدأت سارة مدونتها، ومن هناك بدأت رحلتها في مشاركة صوتها مع العالم، خطوة بخطوة… من داخل المتاح، لا بعد "إذا".
ذكائنا قد يعمل ضدنا 😈
المذهل فينا كأشخاص أننا أذكياء جداً، وقد نصل لمرحلة «نتذاكى» فيها على أنفسنا. لاحظت نفسي الفترة الماضية أقول: سأعلن عن الجلسات إذا صممت الموقع الخاص بمديام، وكانت الرغبة الظاهرية هي المثالية، وتجربة العميل، وكل شيء يكون جيد. لكن عندما تعمّقت في الموضوع، وجدت أن هناك بعض التحديات الشخصية تتطلب مني التعامل معها، وبعض الخطوات الصغيرة التي هي الأساس لتقديم هذه الخدمة، «فليش الموقع الإلكتروني الآن؟!»
من المهم أن ننتبه: أحيانًا ذكاؤنا يلبس قناع المثالية… لكنه يؤخرنا عن رغباتنا، أهدافنا، وحتى الأشخاص المستعدين ليرافقونا.
لكل "إذا" تؤجّلك… خطوة تردّك إليك 🪭
إذا كنتِ تتساءلين «طيب كيف أبدأ من هنا؟ وش ممكن أسوي؟»
هذه خطوات بسيطة وفعّالة، تساعدك في تحويل "إذا" من عذر إلى بداية:
ابحثي عن الممكن اليوم، بدلًا من انتظار المثالي غدًا
حين تقولين: "إذا توفر لي وقت، سأبدأ الكتابة"، اسألي نفسك: "ما الذي يمكنني كتابته اليوم، ولو سطرًا؟" الممكن يفتح الطريق، بينما المثالي يجمّدك في نقطة الانتظار.
▪ بدّلي صيغة الجملة: من "إذا" إلى "رغم"
"إذا خفّ الضغط سأرتاح" يمكن أن تتحول إلى: "رغم الضغط، سأمنح نفسي لحظة راحة." هذا التغيير البسيط في اللغة يُحررك من سلطة الظرف.
▪ افعلي ما يدل على النية، ولو بشيء صغير.
لا يلزمك أن تطلقي المشروع دفعة واحدة، لكن يمكنك تصميم استراتجية الآن، لا حاجة للاشتراك في نادي، بل يمكنك تجربة تمارين لمدة 5 دقائق في المنزل. الفعل الأولي يحفّز جسدك وعقلك على أنه ممكن ومتاح الآن.
▪ راقبي الأعذار التي تظهر في صوتك الداخلي
حين تسمعين نفسك تقولين "إذا..."، توقفي وتأملي: هل هذا الشرط حقيقي فعلًا؟ أم أنه مجرد عذر في قالب لطيف؟ أحيانًا، مجرد ملاحظة العذر كافية لتحريك الداخل.
▪ قولي الفعل كما لو أنه بدأ، لا كما لو أنه فكرة.
بدلًا من "أرغب بالسفر"، قولي: "بدأت أبحث عن وجهة تُشبهني."
بدلًا من "أفكر بترك الوظيفة"، قولي: "أراجع وضعي المهني، وأرتب وضعي المادي."
الفعل حين يُروى، يبدأ بالتجسيد.
▪ اختاري شعورًا ترغبين به، وافعلي ما يدل عليه.
إن كنتِ تطلبين راحة، رتّبي زاوية صغيرة وأضيئي شمعة. وإن كنتِ تتوقين للانطلاق، اخرجي للمشي بلا هدف محدد. النية لا تحتاج مشروعًا كبيرًا… بل تُولد من حركة صادقة، بسيطة، وحاضرة.
إلى ذلك الحين ـــــ استشعري لعبة الحياة بعد التوقف عن «إذا».
مديحة الحارثي
الأربعاء، 25 يونيو 2025