صباح الخير ، كيف حالك؟ وكيف بدايات 2025 معك؟ هل افتقدتِ نشرة الأسبوع الماضي؟ لأنني حتماً افتقدتها... كان أول أسبوع أتوقف فيه بعد 28 أسبوعاً متواصلاً من كتابة النشرات البريدية. وكأن الحياة تخبرني أن الراحة حتمية في رحلتك نحو الاستمرارية.

خلال الأسبوعين الماضيين، مررت بمرحلة يصعب علي تسميتها ولكن يسهل وصفها. مرحلة مفصلية، كانت نتائج السعي ودوافعه تظهر بوضوح في الوقت ذاته. تعلمت أن الخطوات نتائجها تراكمية، وأن الأبعاد أعمق مما نرى أو ندرك. لكن الأهم بالنسبة لي هو أن العمل يأخذ منحنى أكبر مما تخيلتُ، رغم سعة خيالي.

مـــرحلــــة ⚠️

حتى لا أغوص في تفاصيل القصة بأكملها، قبل أسبوعين جاءتني فرصة "للخروج عن المألوف". وقتها كتبت نشرة عن التغيير، وعن التوسع، وكيف أن المشاعر غير المريحة عادة ما ترافقه. لكن هذه المرة، ما شعرت به كان أعمق وأقوى... وقبل أن أخوض في التفاصيل، دعيني آخذك خطوة للخلف لأحكي لك عن بعض النقاط المهمة.

في بداية 2024، بدأت بأخذ خطوات جديدة عليّ شخصياً. خطوات شعرتُ من خلالها بالإحساس بالتوسع، القوة، والارتقاء... والخروج تدريجياً من حفرة اليأس التي سقطت فيها أكثر من مرة في السابق. كنت أمضي بخطى متدرجة، بعضها أخذته بحب، والبعض الآخر بصراعات داخلية وخارجية. لكن العامل الأساسي كان "التيسير والتزامن العجيب"، وأهم ما كان يسندني خلال كل هذه التحولات هو العمل. العمل الذي يمنحني شعور التجذر والإحساس بأنني هنا والآن. وحتى مع وجود بعض "المطبات"، كان دائمًا سندًا لي.

حتى هذه النقطة، كانت الأمور تسير بتسلسل منطقي وأحيانًا مفاجئ، لكنه يبقى ضمن حدود الاستيعاب. ثم جاءت الفرصة قبل أسبوعين، وكل شيء داخلي كان يهمس لي بأن أقبلها، بينما كان العالم من حولي يصرخ خوفًا وهلعًا، مع إثارة سلسلة من المشاعر القديمة التي يغلب عليها الحزن. ورغم كل ذلك، اخترت أن أقبل.

حــــــزن 🌊

الحزن... شعور أعرفه وأفهمه جيدًا. مررت به من قبل، لكنه هذه المرة كان مختلفًا. لأول مرة، شعرت به يجثو على صدري. لم يكن هناك غضب ولا حتى عار... فقط حزن انصب عليّ صباً. لجأت إلى كل الأدوات التي أعرفها، واستعنت بمن حولي، وكلهم كانوا يطمئنونني ويُساندونني. لكن كان هناك شعور أكبر مني، شعور يرغب بالعبور، ولا أحد غيري يمكنه العبور من خلاله.

كنت أتوقف كل يوم لساعة أو ساعتين، أربت على صدري، أبكي، وأعتذر لنفسي. لا أعلم بالتحديد لماذا أعتذر... هل كان ذلك عن مواقف لم أواجهها، أم عن "الموت" الذي شعرت أنني أمرّ به، رغماً عني... أو ربما باختياري.

اختيار الموت 🌑

هل نختار الموت حقاً؟ هذا السؤال راودني كثيرًا وأنا أكتب هذه النشرة. وأظن أن الإجابة: نعم، نختاره عندما نرغب في التغيير، خصوصًا التغييرات الكبيرة. هناك هوية تموت لتعيش هوية أخرى. وبينهما قتال... حتى تتجسد الهوية الجديدة أو تعود القديمة لتسيطر.

شعرتُ بأن جزءًا مني يموت، نسخة وهوية لم تعد تخدمني. والفرصة التي جاءتني كانت الجسر بين الهويتين. كنت أحكي لصديقة أن بداخلي شخصية "تعرف وش تسوي"، وأخرى "تصرخ من المجهول والجنون". كنت أرى الاثنتين، لكنني لم أستطع أن أتفاهم معهما في الوقت ذاته. أحيانًا أتحدث مع الأولى، وأحيانًا أطمئن الأخرى... وكل ذلك الشعور داخلي تجاوز حدود استيعابي، حتى انتهت هذه المرحلة.

الحياة 🍃

هل تذكرين ذلك الموقف الذي أقلقك لفترة طويلة، ثم انتهى؟ هل تتذكرين شعورك بعده؟ هذا ما شعرت به بعد أن تجاوزت هذه المرحلة. فجأة، الحياة تفتحت في صدري. اليأس تبدد من داخلي، والمستحيل أصبح بالنسبة لي: "ممكن، ليش لا؟". وأنا أعنيها بكل صدق. المفاهيم التي كنت أتحدث عنها تغيرت، تطورت، وتوسعت. شعرت أن الكثير بداخلي عاش حياة جديدة بعد الموت.

بدأت أرى أن جهودي التي لم أكن أرى نتائجها الكبيرة من قبل، كانت تُبنى لي في مكان آخر! التزامي ببعض الأمور كان يُثمر، لكنه لم يكن في "بستاني" الحالي، بل في بستان ينتظرني هناك... في المستقبل.

وكذلك أنتِ، أعلم أن بعض الأمور لم تسِر كما أردتِ لها، لكن هناك أعظم مما تتخيلين ينتظرك. وأنتِ، بكل خطواتك التي ترينها أو لا ترينها، تتجهزين له. فأكملي رحلتك كسيدة حكيمة، تعلم أن كل هذه القصة محفورة في أعماق قلبها.

السنـــد 🛕

بعد أن تجاوزت هذه المرحلة المفصلية، ازداد شعوري بالامتنان تجاه العمل. كان العمل دائمًا السند الذي يعيد لي إدراكي بمن أكون، ويشغل عقلي وحواسي بعيدًا عن الانغماس في الأفكار المقلقة والمخيفة.

ورغم حبّي العميق للعمل ورؤيتي الواسعة لدوره، إلا أنني أدركت أنه أكبر من ذلك بكثير. هو أداة تفتح الأبواب، تمهد الطرق، وتبني مسارات جديدة. حتى لو لم يكن العمل هو نقطة قوتك الآن، فإن الاستمرار فيه يمنحك القوة التي تحتاجينها لتجعليه سندًا تعتمدين عليه.

ــ حقيقة أعنيها بكل صدق، كل الحب والامتنان لكِ لوصولك إلى هذه النقطة وقراءتك للنشرة كاملة 🤍.

إلى ذلك الحين ـــــ استشعري بداية الحياة مع نهاية الموت

مديحة الحارثي

الاثنين، 6 يناير 2025